السيد عبد الله شبر
401
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
تصرّفه وزيراً قريباً ، وبعضهم كنّاساً بعيداً ؛ لأنّ كلّاً منهما من ضروريّات مملكته ، وينسب الظلم إلى اللَّه تعالى في تخصيص كلّ من عبيده بما خصّص ، مع أنّ كلّاً منهما ضروريّ في مقامه هذا . وهذه الأجوبة كلّها لا تخلو من نظر . أمّا الأوّل : فلإباء العقل السليم ، والفهم المستقيم من أن يحسن إيلام شخص ليكون غيره في راحة وسرور ، وكيف يجوز أن يكون ذات الواجب تعالى مع كونه محض الوجود عندهم وبحت الخير مستلزماً لمثل هذا الأمر ؟ ولو جاز مثل هذا لجاز أن تكون ذاته تعالى مستلزمة لشرور كثيرة إمّا مساوية للخيرات أو أزيد منها من دون تفرقة أصلًا ، والفرق بين الشرّ القليل والكثير فيما نحن فيه لا وجه له قطعاً . وأمّا الجواب الثاني : ففيه كلام طويل وأبحاث دقيقة مذكورة في محلّها ، ذكرها يوجب التطويل ، ويفهم بعضها ممّا تقدّم في مسألة الجبر والاختيار . وأمّا الثالث : فلأنّ العقل السليم يحكم حكماً قطعيّاً ويجزم جزماً بديهيّاً بأنّ العدم البحت خير من مثل هذا الوجود بالنسبة إلى ذلك المعذّب بأنواع العذاب ، ولهذا ورد أنّ أهل جهنّم يتمنّون الموت « 1 » . وورد في بعض الأدعية : « ليت امّي لم تلدني » « 2 » ، وفي الآية : « وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً » « 3 » . وأمّا الطريق الأخير فهو واضح الفساد ؛ إذ لا يرجع محصّله إلّاإلى ذاته تعالى باعتبار بعض صفاته العليّة تستلزم عذاب شخص وبقاءه في العقاب الشديد دائماً ، وهذا ممّا لا ينبغي أن يتفوّه به جاهل فضلًا عن عاقل ، تعالى اللَّه عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً ، ولعلّهم أرادوا بذلك غير ظاهره فيحالوا إلى باطنهم . وبالجملة ، فالاعتراف بالعجز والقصور ، والإذعان والتسليم أولى من الخوض في ارتكاب هذه الأجوبة الركيكة . وهذه المسألة من غوامض القدر المنهي عن الخوض
--> ( 1 ) . فمنه ما ورد عن عليّ عليه السلام في قوله تعالى حكاية عن أهل النار : « ونادوا يا مالك ليقض علينا ربّك » أينموت ، فيقول مالك : « إنّكم ماكثون » الزخرف ( 43 ) : 77 . راجع : تفسير القمي ، ج 2 ، ص 289 . ( 2 ) . الصحيفة السجاديّة ، ص 404 . ( 3 ) . النبأ ( 78 ) : 40 .